أبو البركات بن الأنباري
39
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
قالوا : ولا يجوز أن يقال إن المبتدأ يرتفع بالابتداء ، لأنّا نقول : الابتداء لا يخلو : إما أن يكون شيئا من كلام العرب عند إظهاره ، أو غير شيء ؛ فإن كان شيئا فلا يخلو من أن يكون اسما أو فعلا أو أداة من حروف المعاني ؛ فإن كان اسما فينبغي أن يكون قبله اسم يرفعه ، وكذلك ما قبله إلى ما لا غاية له ، وذلك محال ، وإن كان فعلا فينبغي أن يقال زيد قائما كما يقال « حضر زيد قائما » وإن كان أداة فالأدوات لا ترفع الأسماء على هذا الحد . وإن كان غير شيء فالاسم لا يرفعه إلا رافع موجود غير معدوم ، ومتى كان غير هذه الأقسام الثلاثة التي قدمناها فهو غير معروف . قالوا : ولا يجوز أن يقال إنّا نعني بالابتداء التّعرّي من العوامل اللفظية ، لأنّا نقول : إذا كان معنى الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية فهو إذا عبارة عن عدم العوامل ، وعدم العوامل لا يكون عاملا . والذي يدل على أن الابتداء لا يوجب الرفع أنّا نجدهم يبتدئون بالمنصوبات والمسكنات والحروف ، ولو كان ذلك موجبا للرفع لوجب أن تكون مرفوعة ، فلما لم يجب ذلك دلّ على أن الابتداء لا يكون موجبا للرفع . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية [ 23 ] لأن العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حسية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف ، وإنما هي أمارات ودلالات ، وإذا كانت العوامل في محل الإجماع إنما هي أمارات ودلالات فالأمارة والدلالة تكون بعدم شيء كما تكون بوجود شيء ، ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان وأردت أن تميز أحدهما من الآخر فصبغت أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان ترك صبغ أحدهما في التمييز بمنزلة صبغ الآخر ؟ فكذلك هاهنا . وإذا ثبت أنه عامل في المبتدأ وجب أن يعمل في خبره ، قياسا على غيره من العوامل ، نحو « كان » وأخواتها و « إنّ » وأخواتها و « ظننت » وأخواتها ، فإنها لما عملت في المبتدأ عملت في خبره ، فكذلك هاهنا . وأما من ذهب إلى أن الابتداء والمبتدأ جميعا يعملان في الخبر فقالوا : لأنا وجدنا الخبر لا يقع إلا بعد الابتداء والمبتدأ ؛ فوجب أن يكونا هما العاملين فيه ، غير أن هذا القول وإن كان عليه كثير من البصريين إلا أنه لا يخلو من ضعف ، وذلك لأن المبتدأ اسم ، والأصل في الأسماء أن لا تعمل ، وإذا لم يكن له تأثير في العمل ، والابتداء له تأثير ، فإضافة ما لا تأثير له إلى ما له تأثير لا تأثير له . والتحقيق فيه عندي أن يقال : إن الابتداء هو العامل في الخبر بواسطة